Skip Ribbon Commands
Skip to main content

News Title

هل مافيا الغابات أقوى من القانون؟

News Date

3/28/2013

News Details

هل مافيا الغابات أقوى من القانون؟

د. عبدالناصر هياجنه

رغم ابتعادي عن الكتابة في الشأن العام مؤخراً، إلا أنني أجدُ نفسي مهتماً بالكتابة في مسألةٍ تتخطى في دلالاتها البُعد الشخصي، وتتجاوزه إلى فضاءات المصلحة العامة وعدم تعسف المسؤول في استعمال السُلطة المنوطةِ به. أقولُ ذلك تعليقاً واحتجاجاً على قرار السيد وزير الزراعة في "حكومة تصريف الأعمال" القاضي بنقل السيد محمد الشُرمان مدير مديرية الحراج في وزارة الزراعة من عمله للعمل مستشاراً في مديرية زراعة جرش.

رغم احتجاجي وتحفظي على القرار غير المفهوم وغير المبرر، لكنني أعتقد أن المسألة فيها مقاربة قانونية تقتضي مراجعة القرار وسحبه، أو الطعن في مشروعية القرار لدى محكمة العدل العليا الأردنية التي تضمن مشروعية القرارات الإدارية وخاصة تلك التي تنطوي على مخالفاتٍ قانونية، او إنحرافٍ في استعمال السُلطة أو التعسف في استعمالها وعدم توخي المصلحة العامة في إصدارها.

فرغم التسليم بما للوزير من سُلطة نقل الموظفين العاملين في نطاق وزارته إلا أن ممارسته لهذه السُلطه التقديرية منوط بتحقيق المصلحة العامة، لأن الوزير موظفٌ عام ينحصر واجبه في ضمان حُسن المرافق العامة والمحافظة على المصلحة العامة، وهو يُمارس هذه السُلطات في إطار مبدأ المشروعية التي تفرض عليه عدم الإنحراف بالقرار الإداري عن هدف الصالح العام، وأن يُبنى القرار الإداري على أسباب مشروعة في ظاهرها وباطنها، لا أن يكون القرار في ظاهره المشروعية وفي باطنه العقاب والتعسف واستهداف الأفراد وتصفية الحسابات.

أرى أن قرار وزير الزراعة في "حكومة تصريف الأعمال" يفتقر لأسباب المشروعية شكلاً ومضموناً فما هي الحاجة المُلحة التي تفرض إجراء تغيير في إحدى أهم مديريات وزارة الزراعة في وقت يكون فيه الوزير "مصابح ممساي". لماذا لا يترك الوزير مثل هذه القرارات إلى الوزير الذي يأتي من بعده، أو على الأقل حتى يتم تشكيل الحكومة. فقرار بهذا الحجم من الأهمية والخطورة لا يتفق مع حالة "تصريف الأعمال" التي يتولها الوزير وسائر أعضاء الفريق الوزاري في هذه المرحلة. حيث يرى أساتذة القانون الدستوري، أن "تصريف الأعمال" ينحصر في المسائل الجوهرية التي تقتضيها المصلحة العامة والتي لا يُمكن إرجاؤها؛ فهل نقل موظف مشهود له بالكفاءة والمهنية والحرص على المصلحة العامة إلى وظيفة أخرى أقل في صلاحيتها وأهميتها يعتبرُ من المسائل الجوهرية التي تقتضها المصلحة العامة. وهل قدّرَ السيد الوزير أن المصلحة العامة مهددة بالإنهيار والفوات إذا بقي السيد مدير مديرية الحراج على رأس عمله في إدارته؟

نعلم ما يتمتع به السيد محمد الشرُمان مدير إدارة الحراج من كفاءة إدارية ومهنية عالية يشهد بها الجميع من غير روؤساء وأعضاء مافيات الغابات والتحطيب، ومَن أعمى بصيرتهم رأس المال الشرس، فهو ابن وزارة الزراعة، والوطني الحريص الذي لم يُعرف عنه إلا التفاني في عمله واتقانه والوقوف بحزم في تطبيق القوانين المرعية في مجال عمله واختصاصه. وإذا كان البعضُ قد غضبَ عليه بسبب وقوفه مع القانون في وجه مافيات الغابات والتحطيب، فهذا شهادة له لا عليه، لأنه لم يُهادن أصحاب النفوذ وروؤس الأموال في سعيهم الخبيث لتدمير غابات الأردن وآخر معاقله الطبيعية. وقاوم إغراءات التآمر على مصلحة الأجيال والأردن في تجريده من غطائه الأخضر.

نُدرك أن نقل الموظف العام من وظيفة لأخرى أقل في الصلاحيات والسُلطات التي تمنحها للموظف يُعتبر نقلاً تعسفياً ينطوي على عقوبة ظاهرة أو مبطنة، وهو ما يتناقض مع مشروعية القرارات الإدارية.

نُسلّم بضرورة أن يتوخى مصدر القرار المصلحة العامة في قراره، فما هي المصلحة العامة التي تقتضي قرار النقل؟ وما هي المصلحة العامة التي تمنع استمرار موظف في شغل وظيفته التي أبدع في ممارستها وحقق إنجازاتٍ كبيرة في أدائها، بشهادة الوثائق والناس من روؤساء وموظفين ومختصين ومهتمين.

ماذا تعني وظيفة مستشار في مديرية زراعة جرش؟ ما هي الإستشارات التي سيقدمها المستشار هناك ولمَنْ؟ وما هي صلاحيته؟ هل يوجد له مكتب؟ أو لديه صلاحيات تنفيذية؟ أم هي مجرد وظيفة ديكور؟! إننا نعلمُ بحكم التجربة أن وظيفة مستشار في بلادنا هي من الوظائف الشكلية التي تحمل في داخلها مضموناً فارغاً من الصلاحيات، فهي لا تخرج عن كونها للوجاهة الفارغة، أو للتطفيش أو الإسترضاء!!

إن قرار وزير الزراعة لا يبدو مدعوماً بأية أسبابٍ جديةٍ تبرره، وإذ نُسلّم بقرينة المشروعية، إلا أننا لا نرى أنها قرينةٌ قاطعة، بالنظر إلى الحيثيات الكثيرة التي تجعل القرار معيباً بعيب الاختصاص والتعسف في استعمال السُلطة والإنحراف بالقرار الإداري عن غاياته المفترضة في تحقيق المصلحة العامة، كما أن فيه استهدافاً وعقوبةً ظاهرةً وباطنةً لشخصٍ عُرف عنه النزاهة والمهنية والصرامة في تطبيق القانون وتصديه الحازم لمافيات الغابات والتحطيب.

إن الحقَّ أحقُ أن يُتبع، وإن إدارة الدولة لمرافقها يجب أن تكونَ واجباً مقدّساً يُؤدى بإخلاصٍ وتفانٍ وتوخٍ للمصلحة العامة، وهو ما يبدو غائباً تماماً عن هذا  القرار، ما يوجب على العقلاء الاستداركَ، والرجوع عن القرار وسحبه، وإلاّ، فلا مناصَ من التوجه إلى القضاء لوضع الأمور في نصابها وفق الأصول المتعارف عليها.

 

Page Image

 

Attachments

Created at 3/29/2013 4:36 PM by Abdelnaser Hayajneh
Last modified at 3/29/2013 4:37 PM by Abdelnaser Hayajneh